أبو القاسم سعد الله محققا وناقدا مهجوساً بالتراث القومي والوطني
عبد القادر شرشار
لا يقل حقل التحقيق أهمية عن باقي الحقول العلمية والبحثية التي اشتغل عليها الدكتور ابو القاسم سـعد الله(1)، حتى وإن بدا مقلا في هذا المجال، اذ تميز إسهامه في تحقيق النصوص التراثية الجزائرية بميزات بارزة سنحاول من خلال هذا المقال الكشف عن بعضها.
القسم الثالث: وفيه يثبت المصادر والفهارس، حيث يخصص جزءا للأعلام، وآخر للأماكن، وقد يعرض ملحقا للجداول والرسوم، كما يثبت المصادر والمراجع المعتمدة في التحقيق، ثم يختم الكل بفهرس لموضوعات المخطوط.
يبدو أن المخطوطات العربية القديمة توجد كنص واحد متصل بدون عناوين ولا فقرات أحيانا،ولا فواصل أو نقاط. ولذا استلزم عمل المحقق القيام بتقسيم النص إلى فقرات، يخضع لتقدير المحقق كأن تقوم الفقرة على حادث أو فكرة أو خبر. ثم وضع النقط والفواصل، ثم اقتراح عناوين مناسبة لكل فكرة يعالجها المخطوط. وأخيرا وضع التعاليق التي تحتاج إلى الرجوع إلى المصادر والمراجع، وغالبا ما يحتاج المحقق إلى خبرات ومهارات متعددة لكي يفك الغامض ويجلي المحجوب. كما أن نصوص المخطوط كثيرا ما تتطلب الرجوع إلى الخرائط الجغرافية، وكتب التاريخ والتراجم والفقه وغيرها من العلوم والمعارف، واللجوء أحيانا إلى المساءلة الشفوية ممن يتوسم فيهم المعرفة والخبرة في مجال حقل المخطوط.
كثيرا ما تعترض المحقق مسألة الانحرافات اللغوية والإملائية أو الكتابة بالعامية التي لا تخضع لأي ضابط نحوي أو صرفي، مما يُصعِّب مهمة التدقيق والفحص اللغوي. ولذلك ألفينا الباحث سعد الله يقف أمام هذه الظاهرة متسائلا: ماذا يقرر حيال هذه النصوص؛ أيتركها على ما هي عليه حفظا للأمانة، والتنبيه على ما في الأسلوب من انحراف، والتدليل على الكيفية الصحيحة لقراءته أم اللجوء إلى إعراب النص وإعادة صياغته بطريقة جزئية أو كلية؟
وفي كل مرة كان الباحث يصل إلى نتيجة منطقية وسليمة، وهي أنه لو قدر له ولجأ إلى تعديل النص الأصلي فسيمس نصا لا حق له أن يتدخل فيه من الوجهة التاريخية والعلمية، وحفظا للأمانة كان يترك النص على حالته الأصلية ويكتفي بالإشارة في الهامش إلى ما يساعد على قراءته وفهمه حسب السياق.
والمتتبع لأعمال سعد الله في مجال التحقيق يلاحظ أن الباحث كثيرا ما كان يدقق في هذه المسألة، بحثا عن مصادرها، كأن يبحث عن أصل الخطأ، أهو نتيجة جهل صاحب المخطوط نفسه بقواعد اللغة والإملاء أم هو من عمل النساخ.. وقد وصل إلى نتائج مفيدة جدا يمكن الرجوع إليها في أعماله التحقيقية ومن بينها ظاهرة شيوع أخطاء في رسم الكلمات، بالإضافة إلى ما كان يحدث من أخطاء نتيجة تعدد النساخ وتداولهم على نسخ عمل واحد.
إن التركيز على هذه الظاهرة ومحاولة البحث عن مصدرها في «تاريخ العدواني»(5). و «حكاية العشاق في الحب والاشتياق» لمحمد بن إبراهيم(6)، وحتى «رحلة ابن حمادوش الجزائري، المسماة: لسان المقال في النبإ عن النسب والحسب والحال» كشفت عن شيوع ظاهرة الأسلوب المتفصح: أي الأسلوب الذي يجمع بين العامية واللغة الفصحى، وهو شكل من أشكال الكتابة ساد في القرنين السابع والثامن عشر في الجزائر، وتحتاج هذه الظاهرة اللغوية وحدها إلى دراسة أكاديمية جادة.
وما يستنتج من هذا كله أن سعد الله كان يستخرج من الاشتغال على النص ما يسميه بلغة القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر الهجرية. ومن خلال مقارنة النتائج التي توصل إليها في دراسة كل مخطوط على حدة يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:
- إن لغة العدواني مثلا كانت بعيدة عن التأثير الخارجي سواء كان هذا التأثير عثمانيا أم إفرنجيا، بالإضافة إلى أن تأثير اللهجات البربرية لا يكاد يظهر إلا في توظيف بعض أسماء الأعلام. كما يستنتج من هذا العرض أن لغة العدواني هي لغة بني هلال وبني سليم الباقية على سلامتها وصفائها على الرغم من بعدها عن منبتها وتقادم العهد بها، وأنها لغة حبلى بالمعاني والدلالات والرموز، ويقدم المحقق بعض النماذج للتدليل على ما وصل إليه من حقائق. في حين أن لغة الأمير مصطفي صاحب حكاية العشاق هي لغة متفصحة، تناسب القص الشعبي، متأثرة في مجملها بالدخيل من مفرد عثمانية ومحلية وأفرنجية، مما أبعدها في بعض الأحيان عن الصفاء والسلامة اللغوية الأصيلة.
بالإضافة إلى التدقيق الإملائي واللغوي، تم لفت الانتباه إلى أخطاء في كتابة بعض الكلمات، وقد شملت هذه الظاهرة حتى النصوص التي فصّحت، مثل (أتا) بدل (أتى)، (غدى) بدل (غدا)، (قلت) بدل (قلة)، وحسما لهذه المسائل اللغوية والإملائية كان المحقق يلجأ كل مرة إلى رسم جداول يحدد فيها موضع الخطأ وينبه إلى صورته الصحيحة حتى يستقيم المعنى.
وبالإضافة إلى الجانب اللغوي والتدقيق الإملائي، كانت تعترض المحقق عوائق أخرى، من مثل:
- وجود بعض الأوراق المبعثرة.
- نسخ تحتوي أوراقاً ناقصة.
- نسخ فيها أوراق إضافية،وفي بعض الأحيان بخط مخالف.
- نسخ مبتورة البداية وغالبا الجزء النهائي وهو الجزء الهام المتعلق بتاريخ النسخ والناسخ ومكانه.
وللتغلب على هذه الصعاب كان المحقق يلجأ أحيانا إلى الاستعانة بالأخبار التي تورد ذكر المخطوط المعني، أو مقارنة النسخ بعضها ببعض إن توفرت النسخ في مخطوط واحد، أو يستعين بالنصوص المترجمة إلى اللغات الأجنبية لملء الفراغ كما هو الشأن مثلا في استعانته بمقال جوستان بون بالفرنسية لما يحتويه من معلومات دقيقة تكمل ما جاء في الصفحات الناقصة في المخطوط الأصلي بالعربية من «تاريخ العدواني».
إلا أن ما يؤاخذ عليه المحقق أحيانا هو حذفه لبعض العبارات أو الألفاظ غير المناسبة للذوق من وجهة نظره هو،حيث فضل الاستغناء عنها وتعويضها بنقاط بين قوسين(#0236)، ويذكر سعد الله في صفحة 33 من تاريخ العدواني ما نصه: «وقد استعملنا هذه الطريقة في مناسبتين فقط الأولى عند ذكر كلمة (الكلاب) والثانية عند وصف الرافضة»(7). مع العلم أنه يذكر أن ترجمة فيرو لتاريخ العدواني أبقت على كلمة (كلاب) كما هي على أساس أنها جزء من الاسم. ويذكر الباحث سعد الله أنه احتار بين الإبقاء على الكلمة أو حذفها ثم تصرف معها كما ذكرنا.
أما بخصوص حذف عبارة كاملة حول الرافضة (الخوارج) فهو يعتقد أنها نَشاز حقا، وقدم تبريرات تاريخية وفقهية تبرر خطأ الراوي، وتمثل وجهة نظره الخاصة، واعتبرها بذلك خروجا عن الموضوع، لذلك لجأ إلى حذفها.والمتفق عليه علميا أن المحقق ليس من مهامه الدفاع عن جهة معينة أو الوقوف ضد جهة أخرى، إذا كان موضوع المخطوط يتعرض لمسائل خلافية من هذا القبيل، بل عليه أن يبقي على أصل النسخة كما هو حفاظا على الأمانة العلمية، وينبه إلى ذلك في الهامش. وتعليقا على هذه المسألة يقول أحد المشتغلين على المخطوط وهو من بني يزقن: أنا مزابي ورغم ذلك لا أقر شرعية الحذف الذي لجأ إليه الدكتور سعد الله.
الهـوامـش:
1- الدكتور أبو القاسم سعد الله مؤرخ وأديب جزائري، يمتاز بسلاسة الأسلوب وعمق البحث ودقة الحكم، صاحب إنتاج غزير، مثقف ملتزم وجاد في نشاطه العلمي والعملي.
ولد ببلدة قمار ولاية الوادي جنوب شرق الجزائر. درس بجامع الزيتونة من سنة 1947 حتى 1954 واحتل المرتبة الثانية في دفعته. بدأ يكتب في صحيفة البصائر لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1954، وكان يطلق عليه «الناقد الصغير». كما درس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في القاهرة، وحاز على شهادة الماجستير في التاريخ والعلوم السياسية سنة 1962. ثم انتقل إلى أميركا سنة 1962، حيث درس في جامعة «منيسوتا» التي حصل منها على شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث والمعاصر باللغة الإنكليزية سنة 1965.
حائز على جوائز وطنية ودولية عدة، بلغ عدد مؤلفاته في الأدب والتاريخ والفكر زهاء أربعين كتابا.
2- عبد الكريم عوفي، التراث الجزائري#0236 المخطوط بين الأمس واليوم، آفاق الثقافة والتراث، العددان: (20/21) أبريل 1998، ص123
3- أبو القاسم سعد الله، أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر- القسم الأول، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1981، ص. 357
**- من بين المخطوطات التي حققها الباحث سعد الله:
- الأمير مصطفى بن براهيم باشا، حكاية العشاق في الحب والاشتياق، 1977.
- عبد الرزاق بن حمادوش الجزائري، رحلة بن حمادوش الجزائري، (لسان المقال)، 1983.
- شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون، منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية، 1987.
- محمد بن محمد عمر العدواني، تاريخ العدواني، 1996.
- مختارات من الشعر العربي، جمع المفتي أحمد بن عمار، دار الغرب الإسلامي، بروت، ط2، 1991.
- رسالة الغريب إلى الحبيب، تأليف أحمد بن أبي عصيدة البجائي، دار الغرب الإسلامي، 1991.
4- عبد الرزاق بن حمادوش الجزائري، رحلة ابن حمادوش الجزائري، المسماة: لسان المقال في النبإ عن النسب والحال، تحقيق وتقديم وتعليق: الدكتور أبو القاسم سعد الله، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1983، ص.19
5- محمد بن محمد بن عمر العدواني، تاريخ العدواني. كتاب في أخبار هجرة واستقرار بعض القبائل العربية مع ذكر الأحوال والتقلبات السياسية والاجتماعية لمنطقة المغرب العربي وأحوال بعض المدن والقرى، والعلاقات الروحية بين المشرق والمغرب منذ الفتح الإسلامي، تقديم وتحقيق وتعليق: أبو القاسم سعد الله، دار المغرب الإسلامي، بيروت، 1996.
6- محمد بن إبراهيم (الأمير مصطفي)، حكاية العشاق في الحب والاشتياق، تحقيق الدكتور أبو القاسم سعد الله، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1976.
7-محمد بن محمد بن عمر العدواني،تاريخ العدواني،مصدر سابق،ص.33 ....
|